الشيخ محمد رشيد رضا
380
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 40 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 41 ) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * * * لما بين تعالى في الآيات السابقة حال مشركي قريش في اتهام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بافتراء القرآن وبتكذيبهم بوعيده لهم ، بين في هاتين الآيتين أقسام هؤلاء القوم في تكذيبهم ومستقبل أمرهم أو حالهم ومستقبلهم في الايمان ، وفي عمل المكذبين بمقتضى تكذيبهم ، وعمل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمقتضى رسالته إلى أن يأتي أمر اللّه فيهم فقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ يقول تعالى لرسوله خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وسلّم ان قومك لن يكونوا كأولئك الظالمين من قبلهم الذي كذبوا رسلهم الا قليلا منهم فكان عاقبتهم عذاب الاستئصال بل سيكون قومك قسمين : قسم سيؤمن بهذا القرآن وقسم لا يؤمن به أبدا وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ في الأرض بالشرك والظلم والبغي لفساد فطرتهم وفقدهم الاستعداد للايمان وهم الذين يعذبهم في الدنيا فيخزيهم وينصرك عليهم ويجزيهم في الآخرة بفسادهم وقيل إن الآية في بيان حالهم عند نزول هذه السورة وهي ان بعضهم يؤمن به في الباطن وانما يكذبه في الظاهر عنادا واستكبارا ، ومنهم من لا يؤمن به جهلا وتقليدا ، ومن هذا الفريق من فقد الاستعداد للايمان وهم الأقلون وسيأتي وصف حالهم في الآيات 42 - 44 قريبا وله وجه . وأما الذي ليس له وجه صحيح فهو قول من فسروا التأويل بالمعنى الاصطلاحي الذي بينا فساده : ان هذا بيان لحالهم بعد إتيان التأويل المتوقع أي سيكون منهم حينئذ مؤمن وكافر ، لما بيناه من أنه غير مراد ولا معنى لاتيانه ، وانه متى جاء تأويله المراد وهو وقوع العذاب يكون الايمان به اضطراريا عاما وهو المنصوص في قوله تعالى ( 7 : 52 يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ